محمد حسين علي الصغير

48

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

جهة ، بل هي انقداح بالفكر ، وبداهة من الفطرة تشق طريقها إلى النفس استئناسا بشفافيتها ونقائها ، ويكون مصدر ذلك حينئذ هو اللّه تعالى بالموهبة والايحاء ، لا بالكسب والمعرفة ، ولا يتأتى ذلك لكل فرد ، ولا يفوز به إلا الصفوة المختارة في كل جيل ، وملاك ذلك هو الصفاء الروحي والتوجه نحو اللّه . هؤلاء أئمة أهل البيت عليهم السّلام ، وهم معدن العلم ، ومهبط الوحي ، احتاج الناس إلى علمهم ، وما احتاجوا إلى أحد ، وقد ملئوا الدنيا فقها وعلما وحديثا ، أجابوا عن كل مسألة ، وحلوا كل مشكلة ، ووقفوا كالجبل الأشم ينشرون المعارف ، ويثقفون المواهب ، كالبحر الذي لا تدرك أعماقه ، ولا تبدو سواحله ، وما علمهم هذا إلا عصارة إلهية ، ومنحة ربانية ، وخلاصة سماوية ، وهو نوع من العلم اللدنيّ ، أو هو من الباب الذي علّمه رسول اللّه عليا عليه السّلام فعلمه أبناءه الطاهرين ، وكلاهما موهبة اللّه وإيحاء السماء ، وهكذا دواليك بالنسبة للفقهاء والمحدثين والمجتهدين من بعدهم ، فتحت لهم كنوز العلم فغاصوا بجواهرها ، ونشروا على العالم ألوية المعرفة خفاقة ، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . ولا تحسبن في هذا العرض مبالغة أو مغالاة ، وإنما هو الواقع الثابت ، فما أحتاج الأئمة عليهم السّلام أحدا في مسألة ، ولا غنى لأحد عنهم في مسألة ، أخذ عنهم الناس ، ولم يأخذوا عن أحد ، واحتياج الكل إليهم ، واستغناؤهم عن الكل ، يشكّل في المنطق البديهي حقيقة العلم اللدنيّ الموهوب ، وليسوا هم بأقلّ منزلة من صاحب موسى عليه السّلام ، وقد ألهم العلم اللّدني ، وهم كذلك لا شك في ذلك . الآداب الفنّية : وهي مجموعة الفنون والعلوم والطاقات التي يتذرع بها المفسر لخوض لجج التفسير ، فهي أدواته وآلاته ، وهي قدراته وملكاته . وقد أورد السيوطي إختلاف الناس في تفسير القرآن ، فهل يجوز لكل أحد الخوض فيه ؟ قال قوم : لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن ، وإن كان عالما أديبا متسعا في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار ، وليس